مربع نص: مئة أوائل من حلب

2 تقف « حلب » واحدة من أهم مدن العالم : عراقة وأصالة ودوراً سياسياً واقتصادياً وثقافياً . ومن المعروف أن المنطقة الجغرافية التي تقع فيها « حلب » تعد نموذجاً لنشأة الحياة وتطورها . هذه المنطقة المعتدلة المناخ ، المتوسطة بين الفرات والبحر ، الواصلة بين البادية والجبال ، والرابطة بين الأناضول وشبه الجزيرة العربية ، والتي تشكل عقدة مرور إجبارية بين الشرق الأقصى وأوربا . هذه المنطقة الجغرافية اكتشفت فيها بعثة يابانية هيكلاً لإنسان « نياندرتال » قبل أكثر من مئة ألف سنة .  
2 وفي حلب نفسها ، تكتشف بعثة بولونية بواكير حياة وسكن وبناء منذ الألف العاشر قبل الميلاد في منطقة « تل القرامل » . وفي قلعة حلب تكتشف بعثة ألمانية أحجاراً صوانية من الألف السابع قبل الميلاد ، ومعبداً من الألف الثالث قبل الميلاد .
2 هذه المدينة التي عرفت التدمير والهدم والزلازل ، دمرها الأكاديون والحثيون والأشوريون والإخمينيون والساسانيون والبيزنطيون وهولاكو وتيمورلنك . وكانت كل مرة تنهض من تحت الأتقاض وتعود إلى دورة الحياة نابضة بالحركة والنشاط . إنه الموقع الاستراتيجي الفائق الأهمية ، وإنه الإنسان المتدفق حيوية وقدرة على ممارسة الحياة العملية .
2 في مدينة حلب لا يعرف التاريخ معنى التوقف ، بل هو في سيرورة دائبة .. تتداخل في مدينة حلب حضارات عبرت بها خلال عشرات القرون ، وكانت دائمة تستوعب تلك الحضارات وتصوغ منها قلادة تزين جيدها المتألق . 
2 تلاقت فيها الحضارات السومرية والأكادية والعمورية والحثية والمصرية القديمة والكنعانية والأرامية والأشورية والفارسية والإغريقية والرومانية والبيزنطية .. إلى أن أشرقت فوقها وبين جنباتها شمس الحضارة العربية الإسلامية ، فاستوعبت كل تلك الحضارات السابقة في إطار التسامح والاحترام والفهم والتقدير .
2 وفي ميدان هذه الحضارة جرت دماء جديدة ، وأطل رجال أعلام في كافة الميادين .. وتوالت العصور الإسلامية على مدينة حلب ، وهي تلعب دورها الريادي في   كل الفترات . وكان لها أن تتميز في العصر الحمداني وبلاط سيف الدولة الباذخ بأعلام عصره : الفارابي ـ الخوارزمي ـ المتنبي ـ أبو الفرج الأصفهاني ـ الصنوبري ـ كشاجم ـ الخالديان ـ ابن خالويه ـ ابن جني ـ أبو علي الفارسي ـ وعشرات الشعراء الكبار والكتاب والعلماء والموسوعيين .
2 وتصدت حلب الحمدانية للهجمة البيزنطية الباغية ، وكسرت شوكة تلك   الهجمة ، وخلد المتنبي بطولات سيف الدولة في أرقى شعر عرفته العربية خلال تاريخها الطويل . وتمكنت حلب
مربع نص: مقدمة الكتاب بقلم 
الأديب والباحث محمد قجة
  رئيس جمعية العاديات 
   مدير الأمانة العامة لاحتفالية حلب عاصمة الثقافة الإسلامية 
مربع نص: كتاب مئة أوائل من حلب
مربع نص: مـؤرخ حـلـب عـامـر رشـيد مـبـيـض
مربع نص:       الزنكية من تقليم أظافر العدوان الأوربي الذي احتل أجزاء من بلادنا من خلال تسميته « الحروب الصليبية » . واستعادت حلب مدينة الرها وحررتها من الاحتلال الفرنجي . وتصدت لذلك الاحتلال البغيض في كل بلاد الشام أيام عماد الدين زنكي وابنه نور الدين .
2 وتابعت حلب الأيوبية مسيرة التحرير ، فشاركت فيالقها في معركة حطين ، وفي تحرير المدن والقلاع . حتى إذا جاء العصر المملوكي ومن بعده العثماني ، كانت حلب قد كرست دورها كمركز تجاري عالمي تقصده القوافل جيئة وذهاباً . ودشنت حلب توقيع أول اتفاق اقتصادي بين أوربا والشرق عام 1207 م ، حينما اتفق الظاهر غازي الأيوبي ملك حلب مع وفد جمهورية البندقية على توقيع اتفاقية للتعاون بين الجانبين .
2 وتنمو في حلب حركة تجارية ، وتمتد الأسواق ، وتتسع الخانات ، ويقبل الناس على الأسفار وتحريك القوافل ، ويقال : إنَّ أعرج حلب وصل إلى الهند .
2 كانت المدينة تستقبل أكثر من عشرين ألف جمل في سفرة واحدة ، وتباع البضائع بسرعة فائقة . مفسحة المجال لبضائع غيرها ... أسواق فيها الحرير والمنسوجات والتوابل والمصوغات والخشبيات والزجاج.. وكل ما يخطر ببال الإنسان .
2 ورغم نكبتي هولاكو وتيمورلنك ، ورغم اكتشاف رأس الرجاء الصالح من قبل البرتغاليين. فإنَّ تجارة حلب بقيت تلعب الدور العالمي المحوري الذي لم تؤثر فيه الأحداث .    
2 ويذكر : دارفيو قنصل فرنسا في حلب عام 1679 م ، أن المدينة كان فيها 75 ممثلية تجارية أجنبية مختلفة ، وتجري فيها الصفقات بشتى اللغات والعملات في جو من التسامح والمودة والرقي والحضارة .
2 خلال هذا التاريخ الطويل كانت حلب موضع اهتمام أبنائها وزوارها ومحبيها ، فكتبت حولها الكتب ، ونظمت القصائد ، وأُلِّفت الموسوعات . ولعل ما حظيت به حلب من مؤلفات وكتابات يفوق أية مدينة أخرى ، ويكفي أن نذكر ما كتبه مؤرخون كالعظيمي والأتاربي وابن العديم وابن شداد وابن حميدة وابن خطيب الناصرية وابن الشحنة وسبط بن العجمي ورضي الدين الحنبلي وأبي الوفا العرضي وعبد الله ميرو وكامل الغزي ومحمد راغب الطباخ ونعوم بخاش وفرديناند توتل وقسطاكي حمصي .
      وما كتبه رحالة وزوار كناصر خسرو وابن جبير والمسعودي وابن حوقل والاصطخري والادريسي والهروي وياقوت وابن سعيد المغربي وابن بطوطة وأبي الفداء وابن الوردي ولويس شيخو وفؤاد أفرام البستاني . وما كتبه قناصل وتجار ورحالة أجانب مثل بوكوك الإنكليزي ، وفولني ودارفيو الفرنسيين ، ولورانسز وجون ألدرد وداندولو ورامبلز والأخوين راسل وبيشوف وجون دافيد ولورنس وجرترودبل .  
2 وما نظمه شعراء كالبحتري والمتنبي والصنوبري وكشاجم وأبي فراس الحمداني والمعري وابن سينا وابن حيِّوس وابن أبي حصينة والوزير المغربي وابن سعيد المغربي وابن جابر وعيسى بن سعدان وابن مماتي والقيسراني والطرابلسي ابن منير والأخطل الصغير وشبلي الملاط وعادل الغضبان وعمر أبو ريشة وأدونيس وسليمان العيسى ومحمد عبد الغني حسن ... الخ .
2 ولعل أروع ما خلَّفه هؤلاء الشعراء هو الذي عرفه بلاط سيف الدولة ثم البلاط المرداسي والأيوبي . تخليداً لدور حلب البطولي ضد الغزو الأجنبي .
2 في القرن العشرين بدأت بعض الكتب المتخصصة تأخذ طريقها حول بعض الموضوعات المتصلة بحلب . ومن أمثلة ذلك كتاب قسطاكي الحمصي « أدباء حلب ذوو الأثر في القرن التاسع عشر » ، وكتاب يوسف قوشاقجي : « الأمثال الحلبية » ، وكتاب كامل الغزي : « نهر الذهب في تاريخ حلب » في مجلداته الثلاثة المتخصصة . وكتاب محمد راغب الطباخ « إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء » .
2 ولكن من أبرز من كتب حول حلب في القرن العشرين هو العلامة خير الدين الأسدي الذي نذر حياته لمدينته وتاريخها وأعلامها وحكاياتها وأمثالها وتراثها المتنوع ، وكان الأسدي من أوائل أعضاء جمعية العاديات ، وشغل منصب نائب رئيس الجمعية عشرين عاماً حتى وفاته . وللأسدي عدد من الكتب حول حلب ، من أهمها : « حلب : أسواقها وأبوابها » و « حلب : الجانب اللغوي من الكلمة » و « موسوعة حلب المقارنة » وهي أهم عمل كتب حول مدينة حلب وتاريخها الاجتماعي والفني والفكري . في سبع مجلدات . وهذا العمل لم تحظ بمثله أية مدينة أخرى في العالم . 
2 كما كُتب حول النشاط الفني في حلب مثل الموشحات الحلبية والحركة الموسيقية  ومن ذلك ما كتبه فؤاد رجائي ومجدي العقيلي وعبد الرحمن جبقجي وعلي الدرويش .
2 وحول الحركة الأدبية مثل كتاب سامي الكيالي « الحركة الأدبية في حلب » . 
2 وكتابان قيد الطبع كتبهما محمد قجة هما « حلب في عيون الشعراء »  و« صورة حلب في أدب الرحلات » . وهذه مجرد أمثلة وليست على سبيل الحصر .
2 في هذا السياق يأتي كتاب الباحث عامر رشيد مبيض حول أعلام مدينة حلب . وقد بذل فيه جهداً واسعاً دؤوباً ، بروح من العمل الأكاديمي والتوثيق المنهجي والاختيار الموفق للشخصيات التي تحدث عنها .
2 وقد جهد الباحث عامر رشيد مبيض في كتابه أن يحيط بجوانب الحياة السياسية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية والفنية في مدينة حلب من خلال حديثه عن الشخصيات التي اختارها .  وهكذا تم التركيز على الأعلام الذين لعبوا دوراً في المضمار الوطني من أمثال إبراهيم هنانو ، سعد الله الجابري  . ومن لعبوا دوراً في النشاط الفكري بكافة مجالاته من خلال أعلام رجال الدين والأدب والتربية والعلم والقانون والفن ، من أمثال :« العلامة عبد الرحمن الكواكبي ، محمد نجيب سراج الدين ، إبراهيم حلمي الغوري ، صبحي الصواف » ، وكذلك من مارسوا نشاطاً اقتصادياً بارزاً ذا أثر في حركة المدينة ، من أمثال : « محمد نجيب باقي زاده ، محمد سعيد الزعيم ، جورج ومتيلد سالم » .
2 وركز الباحث عامر رشيد مبيض على أعلام الحركة التربوية والحركة الفنية والناشاطات في المجال النسائي فكرياً واجتماعياً وتربوياً .
2 وقد لاحظت أن المؤلف قد اتخذ لنفسه معايير دقيقة في اختيار الشخصيات التي قدمها . وهذه المعايير تدل على دقة ومعرفة ، ويشهد بذلك ما قدمه المؤلف من جهود سابقة يتضح فيها الحسّ التوثيقي والحرص على المعرفة الدقيقة .
2 إن هذا الكتاب إضافة هامة ونوعيَّة إلى الكتب التي تحدثت عن مدينة حلب في شتى مراحل تاريخها ، وشتى ميادين الحياة فيها . وهذا العمل تكريم للمدينة ولرجالاتها الذين لعبوا أدواراً مختلفة في تكوينها وتطويرها .
2 ولقد عرفت المؤلف صبوراً في عمله ، حريصاً على دقائق الأمور ، وهذا ما يجعل من هذا الكتاب وثيقة عن مرحلة هامة في حياة مدينة حلب . هذه المدينة التي واكبت التاريخ منذ فجره الأول ، وجرت معه في شتى ميادينه ألقاً وحضارة وعطاءً لا يتوقف .
2 إن هذا العمل الذي طابعه الموسوعية ، إنما ينبغي أن تنهض به مؤسسات متخصصة تملك المراجع والمعلومات . ولكن المؤلف بجهده الدؤوب تمكن أن يجتاز كثيراً من العقبات ، وأن يتجاوز كثيراً من العراقيل بحيث استطاع بمفرده أن يقدم عملاً له صفة الموسوعية المؤسساتية . 
مربع نص: