مربع نص: حلب ذاكرة الأيام


2  كانت الصورة منذ كانت الهيولى ؛ حتى حار الفكر في هذه الثنائية : أيُّ طرفيها أعظم ارتباطاً بالوجود ، ثم كانت الصورةُ تقلُّبَ أمواج الوجود على شواطىء الهيولى ، فما ثمة إلا صورٌ تترى ، ومعها شغف الإنسان بما تنطوي عليه من أسرار الخلود . 
2 ثم كانت صورة الصورة انتصاراً للوجود على العدم ، ونزوعاً إلى السكون في الحركة ، ولواذاً بالثبات من التغير ؛ وإنها للحظةٌ جليلة تلك التي انبجست فيها الصورة من الصورة ، صورة الظل من صورة الوجود : نقشاً في حجر ، أو شكلاً في مرآة ، أو خيالاً في ماء ؛ فصورة الوجود تتراءى بين الوجود والعدم في صيرورة أبدية استوى طرفاها ، وكان لابد من صورة الصورة تبرأ من العدم ، وتنزع إلى السكون ، وتحيل ما قد يبدو وهماً أو لمحاً أو وميضاً ، حقيقة ماثلةً تذكر بما قد كان ، وترمز إلى ما قد يكون ، فلا زمان ولا مكان ، وما ثمة إلا محض الوجود يأتلق بالجمال والجلال .
2 بيد أنَّ صورة الصورة ليست محض ظل ؛ وإنما هي ولادة الكينونة في الصيرورة ، وإنها ليدٌ إلهية تلك التي تجلوها فتفهم رموزها ، وتحل طلاسمها ، حتى تستوي وجوداً خالداً ينم على العدم وينفيه معاً ؛ فما أكثر ما يضيع من صور الوجود في مهاوي العدم دون أن يجد العين التي تبصر ، واليد التي تنقش ، والروح الذي يدرك ؟! 
مربع نص: 2 ها نحن الآن أمام صورة حلب : فيضٌ من تسبيح الفلك ، ووشيٌ من أنغام العود ، ونسْجٌ من أطواق الحمائم ، وثمة يدُ مبدعةٌ مسَّها طائفُ من الإلهام ـ هي يد الباحث الفنان عامر رشيد مبيض ـ فمضت تستحوذ على كل ما جاد به الزمان من صور في قدس الجمال : حلب ؛ وإذا باللحظة التي كانت وهماً بين الوجود والعدم تغدو خلوداً آسراً ، وإذا بك تصغي إلى الأحلام ، وترنو إلى الأنغام ، بين نافذة لا تزال تتردد فيها همسات العاشقين ، ومحراب لا يزال يشهد نجاوى المحبين ، وسوقٍ يفوح بأفانين الطيب ، أو يلتمع ببريق الذهب ، وناعورة جذلى بترانيم الخصب ، وزاويةٍ ولهى بأصداء الذكر ، وزخرف يصَّاعد إلى الملأ الأعلى ، وروحٍ عاشق يهيم في تلاوين الحسن فلا يرتوي أبداً ؛ حتى لكأن حلب هي ليلاه ، وهيهات ! فأين ليلى من عشق  ليلى !؟ ولا يستويان . 

2 عرفت عامر رشيد مبيض عاشقاً لا يبترد إلا بسرمد الخلود في مجالي حلب ، ووافق عشقي لها عشقه ؛ غير أنني اكتفيت من لوعة العشق بلذع الجمر أتدفأ به في قبابها ، وراح هو يطوي الدهر منقِّباً عن كل ميسم حسن في وجهها الجميل ، وعن كل مسكة خال فوق خدها الأسيل ، ينثر شعرها الفاحم ليبحث في غياباته عن كل ما غمض من خفايا البهاء ، فتراه يحوم حول صورة ناعورة تلاشت ظلالها مع مياه النهر وأوراق الخريف ، فلم يبق منها إلا حفيف الخلود ، وقبل أن تحل بها ظلمة العدم ، نسجها الضوء خيوطاً من نور ساكن ، وانتزعتها يد الفن من قهر الزمان ، فأسلمتها إلى من أعاد إليها نبض الوجود ، إلى عامر هذا الذي تصوَّف في محراب الصور يصل من خلاله إلى سدرة الحب على معراج الضوء والظل .

2 عامر الذي تستلهم بصيرته العاشقة أسرار الحسن في ناعورة مفردة  حيناً ، وكشك حالم حيناً آخر ، ثم تمضي إلى قلعة شماء ، أو مئذنة سامقة ، أو زقاق وادع ، أو حمامٍ غافٍ ؛ فإذا توقفتْ أمام القلعة أبصرتَ سجود العشق يختالُ بأفانين الضوء ، وإذا توغَّلتْ في زقاق خُيِّل إليك أنه لمعُ سراب يتلألأ في الفراغ ، حتى إذا أردت أن تتمتم بُرقى السحر طالَعكَ رواق حمَّامٍ يمتزج فيه البُخار بالبخور ، أما القباب فما أكثر ما مضى عامر إليها صعداً يطل عليها من علياء مئذنة تدور به ويدور بها ، كأنه مولوي أدركته نشوة الوصال ، ومنذا الذي يتأتى له في هذه اللحظة أن يجلو الزمان ظلاً وضوءاً تتناوبهما النشوة غير هذا المتصوف العاشق !؟ 

2 على أن ثمة أمراً آخر اهتدى إليه عامر في تطوافه الدائم ، وهو أن الصورة ضرب من نشدان الحقيقة الخالصة ، فهي التاريخ الذي يتعذر العبث به لأنه يكتب بالضوء ، والذي يكتب بالضوء ليس كالذي يكتب بالحبر ، لأنه يقتضي تصوفاً في البحث عن الحقيقة ، وفي عشقها ، أفكانت هذه الصُّور تصوغ الواقع حلماً والحلم واقعاً لولا أنها لحظة من ضوء ساكن ، ولولا أنها ومضة عشق من يد فنان ، ولمسة فنٍ من يد عاشق ! تبهره النقوش ، وتسحره الزخارف ، فلا يبصرها فحسب ، وإنما يسمعها إيقاعاً عذباً كأنه همس الجوى .

2 أي حلب ! فليمض الزمان ما شاء له الله أن يمضي فوق أديمك الفاتن يا حسناء الأزل ما دامت الصور تروي من حسنك مالا يبليه الزمان .

2 وطوبى لك قدساً يعرف أبناؤه كيف يبتردون بأندائه العِذاب ، فيذيعون من نثار ضوئه ما يستبي العين ، ويستلب الروح .

2 أما عشَّاقك ، أي سدرة العشق ! فلهم ما يتدثرون به من جوى مخضب بوميض الجمر في قبابك السامقات ، وبغام ظباء موشَّى بنفح المسك في زواياك الهامسات . 

مقدمة الكتاب بقلم
العلامة الأستاذ الدكتور
 عصام قصبجي
مربع نص: مـؤرخ حـلـب عـامـر رشـيد مـبـيـض
مربع نص: